انتُخب زعيم حزب “النهضة” الإسلامي راشد الغنوشي رئيسا للبرلمان التونسي الذي جاء بعد حياة سياسية طويلة، بعد أن دعمه أعضاء منافسه حزب “قلب تونس”، لكن رغم ذلك لا يزال الطريق طويلا أمام “سيد اللعبة” لتشكيل ائتلاف محتمل في الحكومة المقبلة.

هذا ما توصلت إليه صحيفة “لاكروا” الفرنسية في تقرير لها على تولي الغنوشي أول منصب رسمي له منذ عودته من منفاه عام 2011 عقب احتجاجات أنهت حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، بحصوله على 123 صوتا من مجموع 217 في البرلمان.

تتويجا لحياته السياسية

وقالت الصحيفة: حقق الزعيم التاريخي لحزب “النهضة” الإسلامي أهدافه، حيث دخل راشد الغنوشي، البالغ من العمر 78 عاما، الساحة السياسية لأول مرة في 6 أكتوبر/ تشرين أول الماضي، عندما تم انتخابه نائبا، مع طموح معلن لرئاسة البرلمان، ويوم الأربعاء، 13 نوفمبر/ تشرين ثاني الجاري، انتخبه النواب رئيسا لمجلس ممثلي الشعب.

ورأت أن توليه هذا المنصب يبدو تتويجا لحياة سياسية طويلة، لكن يقول منتقدوه: إنه “أيضا طريقة للاستفادة من الحصانة البرلمانية للهروب من أية إجراءات قانونية ممكنة”.

فهذه الشخصية المعروفة منذ ستينيات القرن العشرين، سُجن في عهد الحبيب بورقيبة (أول رئيس يحكم البلاد بعد استقلالها من فرنسا عام 1956)، بعد أن أصدر بحقه حكما بالسجن لـ11 عاما، ولم يغادر محبسه إلا في أغسطس/ آب 1984 بعفو رئاسي، قبل أن يعيش في المنفى لمدة اثنين وعشرين سنة.

ولفتت الصحيفة إلى: أنه “في حين أن الإسلاميين لم يكونوا في طليعة ثورة 2011، فهو نفسه لم يشارك بها بعد أن عاد إلى تونس عقب أسبوعين فقط من سقوط الرئيس بن علي، لكنه شغل منذ ذلك الحين مكانة مركزية على الساحة السياسية”.

وفي تونس الثائرة منذ 2011، تضيف الصحيفة: استطاع الغنوشي في غضون بضعة أشهر الصعود بحزب “النهضة” الذي قاده لمدة ثمانية وعشرين عاما، ليحتل المرتبة الأولى من خلال فوزه بنسبة 41 بالمئة من المقاعد في الجمعية التأسيسية.

وقالت “لاكروا”: إن راشد الغنوشي، المدعوم في عام 2011 من اتحادات حماية الثورة، لم يتوقف عن تحسين صورته وصورة حزبه، المتهم من خصومه بالتعاطف مع “السلفية الجهادية”، رغم أن “النهضة” نأى أيضا بنفسه عن ذلك وأكد أنه تخلى عن “الإسلام السياسي” ويعرف نفسه بأنه حزب ديمقراطي إسلامي.

وذكرت الصحيفة أنه بعد أزمة سياسية في عام 2013، أنهى راشد الغنوشي تحالفا مع الرئيس الراحل باجي قائد السبسي، وبعد معارضة شديدة، حكم كلا الحزبين “النهضة” و”نداء تونس” جنبا إلى جنب.

ونقلت “لاكروا” عن معز بوراوي، من (الجمعية التونسية من أجل نزاهة وديمقراطية الانتخابات) “عتيد” قوله: “بسبب هذا التحالف بين الأحزاب التي ليس لديها مشروع سياسي مشترك، ظلت تونس تتقدم لسنوات من يوم إلى آخر”، في إشارة إلى التجربة الديمقراطية التي تشهدها تونس.

“التحالف المستحيل”

ورأت الصحيفة أن انتخاب راشد الغنوشي لرئاسة البرلمان هو إعادة لسيناريو عام 2014، ويعيد للأذهان سياسة التوافق التي انتهجها حزب “نداء تونس” قبل نحو خمس سنوات أثارت جدلا كبيرا كونها لم تقدم حلولا لما يطمح إليه التونسيون في الجانب الاقتصادي.

وأشارت إلى أن الدليل على تحالفهم، هو انتخاب سميرة الشواشي من “قلب تونس”، النائب الأول لرئيس البرلمان بـ 109 أصوات.

ونقلت الصحيفة عن لمين بنغازي من منظمة “بوصلة” المتخصصة في متابعة أشغال البرلمان، قوله: “التصويت في البرلمان سري، لكن بالاستنتاج، انتخاب راشد الغنوشي، الذي يشغل حزبه 52 مقعدا فقط، جرى من خلال حصوله على أصوات كثيرة من حزب (قلب تونس) الذي يملك 38 مقعدا ويرأسه رجل الأعمال نبيل قروي”.

واستبعد بنغازي التوصل إلى اتفاق بين الجانبين، مشيرا إلى أن “قلب تونس”، منبثق عن “نداء تونس” والذي قد بنى حملته على مناهضة الإسلام.

وكان رجل الأعمال نبيل القروي، مؤسس حزب “قلب تونس” قد رفض في تصريحات سابقة، إمكان التحالف مع النهضة، واتهمه بالوقوف وراء سجنه بتهمة غسيل أموال وتهرب ضريبي خلال حملة الانتخابات الرئاسية.

وخلال الانتخابات التشريعية الأخيرة حصل حزب “النهضة” على 52 مقعدا، في البرلمان وحل في المركز الأول وهي كتلة لا تمكنه من تحقيق الأغلبية الأمر الذي سيدفعه للدخول في مشاورات مع باقي الأحزاب كي يتمكن من تشكيل حكومة بإمكانها أن تنال ثقة  109 نائبا في البرلمان.

وكلف الرئيس التونسي قيس سعيّد الجمعة مرشح حركة “النهضة” الحبيب الجملي بتشكيل حكومة جديدة، وهو كاتب دولة سابق لدى وزير الفلاحة وشارك بصفة تكنوقراط مستقل في حكومتي “النهضة” اللتين ترأسهما كل من حمادي الجبالي وعلي لعريّض.

والجملي من مواليد ولاية القيروان في 28 مارس/آذار 1959 وهو متزوج وأب لأربعة أطفال، ولا يعرف عنه أي نشاط سياسي بارز كما أنه يقدم نفسه في سيرته الذاتية على أنه ليس له أي انتماءات حزبية.

وأمام الجملي ستون يوما بحسب ما ينص عليه الدستور التونسي لتشكيل حكومته وعرضها على البرلمان للمصادقة عليها، وفي حال فشله فإنه سيتخلى عن قرار التكليف لصالح رئيس الجمهورية قيس سعيّد.

وستواجه الحكومة المرتقبة ملفات عاجلة للنظر فيها وخصوصا ما يتعلق بالوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد الذي لم يتحسن منذ ثورة 2011 وخصوصا على مستوى البطالة والتضخم وتزايد المديونية.