رسم الرجل الذي كان أول رئيس وزراء للهند رؤيته الطموحة، عشية استقلال البلاد. إذ قال جواهر لال نهرو، في خطابه الشهير أمام برلمان البلاد في 14 أغسطس/آب عام 1947، إن الهند ستكون بلداً يتمتع فيه الناس من جميع الأديان بحقوق وامتيازات والتزامات متساوية. والآن، بعد مرور أكثر من 70 عاماً، ثمة دلائل على أن آمال نهرو في هذه الدولة تواجه ربما أكبر تهديد لها.

المسلمون مواطنون من الدرجة الثانية 

في 9 نوفمبر/تشرين الثاني، منحت المحكمة العليا في الهند الهندوس إذناً لبناء معبد في مكان مقدس متنازع عليه منذ قرون في ولاية أتر برديش شمال الهند، وهو موقع له أهمية لكل من الهندوس والمسلمين.

إذ يعتقد الهندوس أن هذا المكان هو مسقط رأس الإله راما، أحد أكثر الآلهة قداسة في الهندوسية. إلا أن المسلمين يصلون في هذا المكان منذ قرون أيضاً.

واُعتبر الحكم في مدينة أيوديا ضربة للمسلمين. وجاء أيضاً في وقت أصبح فيه المسلمون يعتبرون أنفسهم مواطنين من الدرجة الثانية في البلد الذي يسيطر عليه الهندوس.

ويُذكر أن للهند تاريخاً طويلاً في العنف الطائفي، لكن خلال السنوات القليلة الماضية، ارتفعت أعداد جرائم الكراهية ضد المسلمين، الذين يبلغ عددهم 200 مليون نسمة في بلد يبلغ تعداد سكانه 1.3 مليار نسمة.

جامو وكشمير وأزمة ولاية سام

وفي أغسطس/آب الماضي، جردت الحكومة الهندية ولاية جامو وكشمير ذات الغالبية المسلمة من وضع الحكم الذاتي الذي كانت تتمتع به، مما منح نيودلهي سلطة أكبر على شؤون المنطقة. وفي الشهر نفسه، أُقصي ما يقرب من مليوني شخص في ولاية آسام شمال شرق الهند من «سجل المواطنين الوطني» الجديد المثير للجدل، وهو سجل يخشى منتقدون من إمكانية استخدامه لتبرير التمييز الديني ضد المسلمين في الولاية.

ويأتي كل هذا في ظل حكم رئيس وزراء البلاد ناريندرا مودي، القومي الهندوسي الذي جهر مراراً بمعارضته لتطبيق العلمانية في الهند.

وتعود جذور حزب بهاراتيا جاناتا الذي ينتمي إليه مودي إلى منظمة راشتريا سوايام سيفاك سانغ (RSS)، وهي منظمة يمينية تأسست عام 1925 وتروج لرؤية الدولة الهندوسية.

لذا، حين أُعيد انتخاب حزب بهاراتيا جاناتا في مايو/أيار، شعر المسلمون الهنود بالقلق إزاء احتمال تغير نسيج المجتمع. وقال مودي إن هذه المخاوف «وهمية»، لكن بعد مرور أقل من ستة أشهر على ولايته الثانية، ثمة دلائل على أن الأمور قد تزداد سوءاً لمسلمي الهند.

الدولة العلمانية

تقول شبكة CNN الأمريكية: رغم أن القومية الهندوسية قد برزت في عهد مودي، فإنها ظلت تختمر لعقود. فحين نالت الهند استقلالها عن بريطانيا عام 1947، ساعد نهرو، مهندس الهند الحديثة، في تأسيس دستور يحمي «حرية الفكر والتعبير والاعتقاد والدين والعبادة»، و «المساواة في المكانة».

يقول سانجاي كابور، المعلق السياسي ورئيس تحرير مجلة Hardnews السياسية المستقلة، لشبكة CNN: «نهرو كان مدركاً تماماً لحقيقة أن الهند مجتمع متنوع والعلمانية هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينجح فيه».

في السنوات التي تلت ذلك، أصبحت فكرة العلمانية أكثر تجريداً، إذ بدأت الأحزاب السياسية -التي منها حزب المؤتمر الوطني الهندي الذي ينتمي إليه نهرو- تتودد إلى الناخبين بالانقسامات الدينية.

وفي ثمانينيات القرن الماضي، تولت ابنة نهرو، أنديرا غاندي، وحفيده الأكبر راجيف غاندي، منصب رئيس الوزراء واستمرا في الترويج لرؤية الهند العلمانية. إلا أن أنديرا غاندي فرضت أيضاً سياسات استبدادية أدت إلى هجوم الناخبين وزادت من التأييد لحزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي القومي.

كانت مشكلة أيوديا هي التي ساعدت في البداية حزب بهاراتيا جاناتا على كسب أرضية انتخابية كبيرة. كان هذا المكان الديني المتنازع عليه مسألة خلافية قديمة لم تلق سوى اهتمام محلي، لكن حزب بهاراتيا جاناتا استغلها لتساعده في تأمين أكثر من نصف المقاعد في انتخابات ولاية أتر براديش عام 1991.

صعود القومية الهندوسية

في ذلك الوقت، اتهم مراقبون سياسيون حزب بهاراتيا جاناتا بتأجيج الانقسامات الدينية وتمكين القوميين الهندوس. ولا يزال حزب مودي يواجه هذه الانتقادات إلى اليوم.

في عام 1992، أي بعد عام واحد فقط من فوز حزب بهاراتيا جاناتا في الانتخابات، هدم الهندوس اليمينيون مسجد بابري الذي يعود للقرن السادس عشر في أيوديا، ما أدى إلى أعمال شغب على مستوى البلاد أسفرت عن مقتل أكثر من 2000 شخص. وكان ذلك الحادث أحد أسوأ حوادث العنف الطائفي منذ استقلال الهند.

وكانت هذه اللحظة للبعض هي اللحظة التي غيرت السياسة الهندية. يذكر كابور، المحرر، كيف اعتبر بعض زملائه الصحفيين تدمير المسجد -وأعمال الشغب التي تلت ذلك- نهاية الهند العلمانية.

وبعد وقوع عدد كبير من فضائح الفساد في الألفينات، خسر حزب المؤتمر الوطني الدعم، وفتح الأبواب أمام حزب بهاراتيا جاناتا لتولي الحكم.

في عام 2014، فاز مودي وحزب بهاراتيا جاناتا باكتساح في الانتخابات الوطنية، وأصبح أول حزب يفوز بأغلبية برلمانية منذ 30 عاماً. وكان هذا الفوز خطوة نحو القومية، حتى قبل أن يتمكن التيار اليميني في المملكة المتحدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وحملة دونالد ترامب «أمريكا أولاً» في الولايات المتحدة من السلطة.

وكان الوعد الذي قطعه مودي بالإصلاحات الاقتصادية واستعادة القيم الهندية التقليدية مغرياً لأولئك الذين سئموا مما يرونه محسوبية وتوريثاً سياسياً. لكن الزعيم الهندي الجديد كان يروج للقومية الدينية أيضاً.

ففي ولاية مودي الأولى، قتلت جماعات أهلية هندوسية العشرات من الأشخاص -كثير منهم من المسلمين- بزعم ذبحهم أو نقلهم للأبقار، التي يعتبرها الكثير من الهندوس مقدسة. وقال منتقدون إن وجود حكومة قومية هندوسية في دلهي شجع مؤيديها المتشددين على ارتكاب أعمال عنف ضد المسلمين وغيرهم من الأقليات. وهو اتهام نفاه حزب بهاراتيا جاناتا بشدة.

مستقبل أسود

عندما تولى مودي السلطة، كان قد قطع ثلاثة وعود انتخابية رئيسية؛ الأول أنه سيلغي وضع الحكم الذاتي لجامو وكشمير، والثاني أنه سيبني معبداً للإله الهندوسي راما في أيوديا، والثالث أنه سيفرض قانوناً مدنياً موحداً يسود على الجميع، بغض النظر عن دينهم. بعد ستة أشهر من إعادة انتخابه في ولايته الثانية، كان مودي قد أحرز تقدماً في تحقيق اثنين من أهدافه.

ففي أغسطس/آب، ألغى المادة 370، وهي بند دستوري يمنح جامو وكشمير استقلالية نسبية ويحمي حقوق التوظيف والتملُّك ومساعدة الدولة لسكانها المقيمين بصفة دائمة. وقطعت الحكومة الاتصالات في المنطقة أيضاً.

ويخشى الناس في ولاية جامو وكشمير -التي أصبحت إقليماً اتحادياً- أن خطوة مودي سوف تؤدي إلى تشجيع الهجرة إلى منطقة ذات أغلبية مسلمة، وهو ما قد  يغير تركيبتها السكانية. وأثار حكم المحكمة العليا بإمكانية بناء معبد راما في أيوديا انتقادات الطوائف الإسلامية أيضاً.

يقول أسد الدين العويسي، رئيس الحزب الإسلامي «مجلس اتحاد المسلمين بالهند»، إن الحكم كان «انتصاراً لدين على حساب الحقائق» وسيستغله حزب بهاراتيا جاناتا لتحقيق «أجندته الخطيرة».

وقال في تغريدة: «تلقى أكثر من 200 مليون مسلم في البلاد رسالة مدوية مفادها أنهم يجب أن يتحملوا كل الإهانات والظلم وأن يلتزموا الصمت المتوقع من مواطنين في مرتبة أدنى».

أزمة القانون المدني

والآن يتساءل البعض عن الوقت الذي سيستغرقه فرض قانون مدني موحد. في الوقت الحالي، تحكم الهند قوانين منفصلة للزواج والملكية والتبني وفقاً لأحكام الديانات التي ينتمي إليها المواطنون، لكن ثمة قانون من شأنه أن يمحو كل هذه القوانين. وهذا يثير قلق الطائفة الإسلامية على وجه الخصوص، لأنه قد يعني أن قوانين الشريعة الإسلامية لن تطبق بعد ذلك في حقوق الزواج والميراث والتركة.

ويخشى محللون من أن محاولة الهند المزاوجة بين نظام علماني ومجتمع متنوع ستستمر في التراجع فيما تكتسب الأفكار التي اقترحها القوميون الهندوس قبولاً واسعاً ودعماً من المواطنين والمؤسسات العامة.

يقول جيل فيرنيرز، الأستاذ المساعد في العلوم السياسية بجامعة أشوكا الهندية لشبكة CNN: «ثمة شيء أعمق في هذا الشأن وهو ليس محصلة الاستراتيجية الانتخابية». وأضاف: «بل ثمة تحوّل هيكلي ومجتمعي أعمق يحدث».

وقال فيرنيرز إن «حزب بهارتيا جاناتا الذي ينتمي إليه مودي يحاول بناء دولة يكون فيها المواطنون الذين ينتمون لديانات مختلفة مواطنين من الدرجة الثانية». لكن قلق المحرر كابور أكبر من ذلك، فهو قلق بشأن سلامة أكبر ديمقراطيات العالم.

وقال: «أعتقد أن هذا ليس في صالح الديمقراطية. خاصة الديمقراطية العلمانية التي نشأنا عليها، قيل لنا إنها ستكون منصفة للأقليات وللجميع. (الحكومة) لديها فكرة واضحة عما يريدون أن يجعلوا عليه الهند وهو لا يمتّ بِصِلة للعلمانية».