كتب عدنان منصر
اعتقدت باستمرار أن العلم يؤدب صاحبه، وأن المعرفة تهذب أخلاق أهلها، حتى قرأت “للبروفيسور” ! ما حبره “البروفيسور” البارحة حول قيس سعيد لا يمكن أن يكون منبعه إلا نفس مريضة، وقلب عليل. لم يستفزني أنه ينتقد قيس سعيد، فقيس سعيد ليس نبيا، ولا منزها عن أكبر الانتقادات. ما استفزني هو قلة الأدب وانعدام المروءة. وقبلها كتب البروفيسور” في الدكتور المرزوقي، ووزع ضده نصوصه الكريهة ذات ديسمبر 2014، وقبلها أيضا علمنا عن الرجل ما علمنا، وكنا نقول دائما لعل تربيةً ما تجعله يثمر، ولو بعد حين.
هل يحق لمن اعتبر بعقله بن علي منقذا، وفرصة للبلاد، ويداه كانت لم تجف بعد من دماء أبناء البلد، وأن ذات العقل أوصله للولوغ في تلك الدماء تكسبا وارتزاقا، هل يحق له بعد ذلك أن يُعتد بعقله؟ من أوصلته فلسفته إلى ذلك الإبداع، وجعل حذلقته البائسة سبيلا للتكسب، كان ينبغي أن يخجل وهو يتقيأ حقده على قيس سعيد، وقبل ذلك على المرزوقي. المناشدون لا يعرفون طعم الكرامة، لأن أكبر اعتداء على الكرامة أن تتكسب من مجرم ولص، وتجد له كل الفضائل الممكنة والمتخيلة، ثم تأتي لمن انتخبه الناس بوعي ومحبة، فتستغل حرية كنتَ من أعدائها، لتبدع معجمك المبتذل وتظهر نفسك الدنيئة.
أن تتكسب من الطائفية أيضا يعني أن تتكسب من الدماء، التي سالت والتي يمكن أن تسيل. لم تربحك الفلسفة وغنمتك داعش يا “بروفيسور” ! العقل السليم هو أيضا في القلب السليم، وأنت مريض القلب والعقل. شدني قولك أن “رياحا تهب ضد قيس”، وأنك سعيد بذلك، فهي تسير أيضا في الاتجاه الذي يريده مركبك. وأن فرنسا وغيرها تتربص بقيس بعد مواقفه من إسرائيل، وأنهم سيعزلونه أو يضطرونه للانسحاب في ظرف شهرين. أي بؤس هذا الذي أنطقك أخيرا بما كنت تضمره نفسك وتجتهد بحذلقتك لإخفائه: مجرد عميل كامن، عارض خدمات ذليل، و”بروفيسور” غدار. سعدتُ بالتقائك أخيرا وبوضوح مع ما تهواه نفسك، ودلك عليه عقلك، وفضحك لنفسك فضيحة لا تغطيها كل الحذلقات. يمكنك الآن أن تبدأ في القبض، فقد التقطت كلمة السر بوضوح. تعاير قيس بأنه لا يستطيع تحريك دبابة ضد إسرائيل، ولا حتى دراجة، في حين تحرك أنت عقلك وقلبك معها. هل بعد هذه الوساخة وساخة؟
ما زلت تعير قيس بأنه مساعد جامعي، وأنك “بروفيسور”. يا للبؤس ! لو كان الأمر بالشهائد لكنتَ رئيسا ربما، أو حتى أميرا، ولكن الله سلم. أتساءل إن كنتَ، في سنواتك السبعين وأكثر، قد فهمت شيئا تقابل به ربك، وتغطي به على سواد قلبك، وبؤس عقلك، وكان ينبغي أن تعتبر عقلك وقلبك أمانة تتعهدهما بالنظافة والترميم. قيس لن يعلن الحرب على إسرائيل يا “بروفيسور”، ولن يحشد الجيوش ضد أساطيل رعاتها وداعميها، لكنه، كمساعد جامعي متواضع، فهم أن الكرامة وكلمة الحق أبقى من التكسب الحرام، ومن الإرتزاق المذل.