إنّها لثورة، ولو كره المشكّكون

في مثل هذا اليوم ذات 17 ديسمبر 2010 وبعد 23 سنة من الحكم الفرديّ المرتكز على ثنائية الاستبداد و الفساد، انطلقت من مدينة سيدي بوزيد الشرارة الأولى التي انتشرت في كل أنحاء البلاد فخرج التونسيّات والتونسيّون الأحرار ونادوا بإسقاط النظام واسترجاع كرامتهم وحريّتهم ووطنهم الذي إفْتُكّ منهم غصبا بقوة الظلم والعدوان فجابههم الطاغية بأجهزته الغاشمة وميليشيّاته الغاصبة ولكن ما كان ليكسر إرادتهم وعزمهم ، فما هي إلاّ أيّام معدودات حتّى اضطرّ رأس النظام إلى الفرار تاركا خلفه وطنا متحرّرا من قيود الفساد والاستبداد ومخلّفا شهداء سقطوا في ساحات الاعتصامات وسقوا بدمائهم الطاهرة أرضا مازال عليها ما يستحقّ الحياة، رحمهم الله رحمة واسعة و أسكنهم فسيح جنانه، و مهما أثنينا عليهم ومهما بكيناهم لن نوفّيهم حقّهم ويكفيهم شرفا أنّهم غيّروا مجرى التاريخ في وطنهم وبرهنوا للجميع أن إرادة الشعوب لا تقهر.

ثمّ توالت السنون وتسارعت الأحداث و تحرك المناضلون أفرادا وجماعات مطالبين باستكمال تنقية البلاد من بقايا النظام ومنادين بتحقيق أهداف الثورة المتمثّلة في شعارها الجامع “شغل، حريّة، كرامة وطنيّة”. وانتظمت أوّل انتخابات حرّة ونزيهة وديمقراطية في أكتوبر 2011، اختار فيها الشعب من يمثّله لصياغة دستور للبلاد يعيد رسم مفاهيم الحريّة والكرامة والعيش الكريم ولكن لم يستسغ أعداء الحريّة ذلك فكادوا للشعب المكائد وحاولوا إجهاض المسار الديمقراطي بكلّ الطرق، حتّى الوحشيّة منها، فبثّوا الفتنة في صفوف التونسيّين حتّى وقع اغتيال الشهيد الرمز شكري بلعيد ومن بعده زميلنا النائب المؤسّس محمد البراهمي ولكن لم يثننا ذلك عن استكمال الرسالة وتأدية الأمانة وما استكنّا وما رضخنا حتّى وضعنا للبلاد دستورا يكفل حقّ الجميع في العيش في وطن هم فيه شركاء، متساوون في الحقوق والواجبات، أحرار كما ولدتهم أمّهاتهم وكان ذلك في 27 جانفي 2014 بعد حوار وطنيّ مشهود، برهن التونسيّون من خلاله أنهم قادرون على إدارة الأزمات و أنهم أهل للسلم والسلام.

وتواصلت محاولات الاستنقاص من الثورة وطمسها بكلّ الوسائل واستعادت الأقلام المأجورة مهامها في شتم وتسفيه كلّ ما له علاقة بالثورة . هكذا تحركت الثورة المضادة، مستغلة نقاط ضعف الديمقراطية و حرية التعبير، إذ أنّه ينتفع بها من يؤمن بها ومن لا يؤمن بها على حدّ السواء.

ليس المشكل في عودة بعض رموز النظام السابق إلى المشهد السياسي و حتى إلى السلطة، فهم مواطنون يتمتعون بنفس الحقوق و الواجبات. المشكل يكمن في أن البعض يرفضون التصالح مع تونس الجديدة تونس الثورة و الديمقراطية و الحرية ، معتنقين مبادئ رفض الآخر ومتكبّرين على الجميع. إن مثل هذه الإرهاصات تدفع إلى التقهقر و بث الفتنة و غرس الحقد و الكراهية و هي تسير ضد عجلة التاريخ و التطور، وأمّا عن المسار فبفضل عزم التونسيات و التونسيين الأحرار لا يزال،و سيبقى ، متواصلا.

ولعلّ المجال لا يتّسع لتقييم مفصّل لفترة 2014-2019 ولكنّه من الواضح والجليّ انّها كانت سنوات عجاف، لم نحقّق فيها تقدّما لا على المستوى السياسيّ ولا نهوضا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي،إذ لم يتمّ تركيز أيّ من المؤسسات التي جاء بها الدستور ولم نشرع في الإصلاحات التي ينتظرها الشعب والتي من شأنها أن تخفّف عليه وطأة العيش اليوميّ، وكان شعارها اأركبر التوافق الرخو بين الخطّين المتوازيين اللذين لا يلتقيان أبدا.

ولكن الأيّام دول، يوم لك ويوم عليك، ولا يأس مع الحياة. وجاءت انتخابات 2019 لتحيي النفس الثوري عبر الصناديق وتبعث برسالة واضحة مفادها ضرورة تصحيح المسار وإعادة قطار الثورة على السكة وهي كما سلف وكتبت، فرصة تاريخية للتدارك، فلنتجنّب أخطاء الماضي ولننصت للشعب الذي يريد التغيير ولنتبنّى مطالبه بقوّة ولنكن في مستوى اللحظة وفي مستوى انتظارات شعبنا الأبيّ.

قد نالني شرف استقبالي في دار الضيافة من قبل رئيس الحكومة المكلّف السيّد الحبيب الجملي واغتنمت تلك الفرصة لإيصال هذه الرسالة وأكّدت على انّ السعي المحموم إلى إرضاء كلّ الأطراف لا يخلو من مخاطر، حيث أن التوافق يفرض نفسه من أجل حل قضايا محدّدة و في مناخات ذات خصوصية، و اليوم و قد تجاوزنا فترة التأسيس فإن البحث عن أوسع توافق ينذر بنفس الشلل الذى فاست من ويلاته البلاد في السنوات الخمس الفارطة.

من شروط الديمقراطية احترام الاختلاف و البناء عليه فلا بدّ أن يكون هنالك فريق في الحكم وفريق في المعارضة ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تكون كلّ الأطراف في الحكم أو أن تكون كلّ الأطراف في المعارضة والبلاد لن تنتظر أكثر مما انتظرته، فلا مجال اليوم للعبث وللمكابرة والمراهنة على فشل الأخر، فالشعب عبّر عن اختياره وعلى الأحزاب التي تحسب على الثورة وتؤمن بالمسار أن تجتمع دون قيود مجحفة ولا شروط تعجيزيّة وعلى الرئيس المكلّف أن يطرح برنامجه الذي يأخذ بعين الاعتبار أولويات المرحلة.

أمّا السعي وراء الأغلبيّات العدديّة (arithmétique) فهو إعادة إخراج سيّء لسيناريو 2014-2019 وكلّنا نعلم أنّها أغلبيّات شكليّة ورخوة لن تصمد أمام المتغيّرات السياسيّة فضلا عن أنّها لن تسمح بتحقيق الإستقرار السياسيّ الضروريّ للانطلاق في الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية.

ثمّ ما هو مآل البناء الديمقراطي، هل أصبحت مسألة تركيز المؤسسات الدستورية وفي مقدّمتها المحكمة الدستورية التي تعتبر عماد الديمقراطية من الماضي البعيد ؟

لن نستسلم لعمليّات التنويم ونسلّم بأنّ الفشل علينا مقدّر وحتميّ، ففي ذلك خيانة لشهداء الثورة وعودة إلى ماضي مظلم طالما تصدينا له.

على الجميع استحضار تلك اللحظة التاريخية التي خرج فيها الشعب ونادى بصوت واحد وبقلب واحد :”شغل، حريّة، كرامة وطنية”.

عاشت تونس، عاشت ثورة الحرية و الكرامة والمجد للشهداء

د.مصطفى بن جعفر